
في سنة 2020، وبعد 15 سنة في القطاع المصرفي، كنت أعرف شلون تشتغل المؤسسات: من خدمة العملاء إلى العمليات الداخلية، ومن تنظيم الأفرع إلى إدارتها، لكن وسط كل هالخبرة، كان فيه شي كنت أفقده بهدوء بدون ما أنتبه له، اتصالي بنفسي.
أتذكر هذي الليلة بالتفصيل، طلعت من العمل حاس بثقل كبير، وكأني شايل الأرض كلها على كتفي، ودوامي في البنك كان داخل مجمع، وأشوف الناس حولي يتحركون بخفة، يضحكون، يمشون في حياة تخصهم، وأنا أمشي بينهم كأني غريب.
وصلت للسيارة، وما شغّلت المحرك بسرعة، قعدت لحظة بصمت، أتأمل حياتي من الخارج، كأني أشوف فيلم لشخص ثاني: يومي كله أرقام وأنظمة وإجراءات، أتكلم عن البنك وأنا بالشغل، وأرجع أتكلم عنه بعد ما أطلع منه، حتى بيتي وعلاقاتي صاروا يدورون حواليه.
كل يوم نسخة من اليوم قبله، واليوم بعده، وكأني تحولت لآلة تعيد نفس السيناريو، كل مرة، من غير ما أحد ينتبه حتى أنا ما كنت منتبه.
وقتها ظهر بداخلي سؤال ما قدرت أتجاهله:
وكان جوابي واضح: طبعًا لا.
لكن هالجواب فتح أمامي سؤال أصعب، سؤال ظل يلاحقني أسابيع:
خلني أرجع للبداية
بعد تخرجي من الجامعة بتخصص الشريعة والقانون، دخلت القطاع المصرفي سنة 2005 بهدف الحصول على أي وظيفة، مثلي مثل غيري، وكانت بدايتي في خدمة العملاء.
من البداية، كنت أتعامل مع العميل كإنسان، مو كرقم أو معاملة، هالطريقة بنت ثقة كبيرة بيني وبين العملاء، وسهّلت ترقيتي خلال سنة واحدة إلى مدير عمليات الفرع.
في هالمكان بديت أشوف اللي يصير خلف الكواليس، وأفهم بصورة أعمق أهمية وضوح طريقة العمل، والانضباط في الأداء، والتنظيم الداخلي، وخلال ثلاث سنوات، تمت ترقيتي إلى مدير فرع.
بعدها تنقلت بين عدة بنوك وأنا في المنصب نفسه، وهالتجارب عرّفتني على اختلاف طرق عمل المؤسسات وأسباب نجاحها، لاحظت مؤسسات ناجحة في خدمة عملائها، لكن موظفيها يكرهون العمل فيها، ومؤسسات قوية في النظام والتنظيم، لكن المبيعات وخدمة العملاء فيها ضعيفة، وغيرها الكثير.
بديت أفهم إن نجاح أي مؤسسة ما يعتمد على تفوقها وتركيزها في جانب واحد، لأن كل جزء فيها يؤثر على الأجزاء الأخرى، ولاحظت أيضًا إن في تفاصيل صغيرة جدًا ما ينتبه لها صاحب المشروع، لكنها قد تكون أهم من الأمور الكبيرة والواضحة للكل.
لكن رغم تطوري المهني الملفت للنظر أمام أهلي وأصدقائي، كان في جزء مني بداخلي قاعد يتلاشى بهدوء، وصلت إلى اللحظة اللي اكتشفت فيها أني نسيت نفسي بين الأرقام والأنظمة والإجراءات، وهالشي ما ظل داخل حدود العمل، بل تسبب لي في مشاكل كبيرة في حياتي الشخصية.
سنة لاكتشاف نفسي
بعد السؤال اللي ظهر لي في تلك الليلة، ما تركت البنك مباشرة، من سنة 2020 إلى سنة 2021، استمريت في عملي سنة كاملة، أحاول أكتشف العالم الموجود بداخلي وأسأل نفسي أسئلة ما اعتدت أسألها:
شنو أحب؟ شنو أبي؟ شنو أهدافي وأحلامي؟ وشلون أبي حياتي تكون؟
كانت هذي أول مرة أنتبه فيها إلى حجم العالم الموجود بداخلي، عالم كامل كنت أمشي فوقه بدون ما ألتفت له، وأدركت وقتها إن عالمي الخارجي ما هو إلا انعكاس لعالمي الداخلي.
وأول جواب وصلت له، بعد كل هالبحث، كان بسيط: أبي أكون حر بوقتي.
من مدير فرع أول إلى موظف مبيعات
في سنة 2021، وبعد 16 سنة في القطاع المصرفي، ظهرت أمامي فرصة للعمل في شركة متخصصة في التنمية الذاتية، وكانت لا تزال في بداياتها.
تركت منصب مدير فرع أول في أحد أكبر البنوك في الكويت، وبدأت من جديد كموظف مبيعات في شركة خاصة، كانت خطوة كبيرة، وناس كثير ما فهموها ولاموني عليها، والغريب إن إلى اليوم يلوموني عليها، لكن دافعي وقتها كان واضح بداخلي: الخروج من بيئة البنوك، والوصول للحرية بوقتي اللي كنت أبحث عنها.
ومن خلال عملي في المبيعات، لاحظت إن بعض الأمور ما كانت تسير بالصورة المطلوبة بسبب وجود جوانب داخلية في الشركة تحتاج إلى تنظيم واستكمال.
بحكم خبرتي السابقة، عرضت على أصحاب الشركة أن أتولى إدارتها وتنظيمها من جميع النواحي، وبالفعل، انتقلت إلى منصب المدير التنفيذي، وعملت على تنظيم الشركة، والتركيز على العملاء، وترتيب العمليات الداخلية والمالية، إلى أن حققنا نجاحًا وانتشارًا كبيرًا على مستوى الخليج العربي.
لكن السؤال رجع مرة ثانية
في سنة 2023، وبعد سنتين من وجودي في الشركة وبعدما تطورت ونجحت الشركة، رجع لي السؤال نفسه بنفس الهدوء اللي ياني فيه أول مرة، بس هالمرة أعمق.
اكتشفت أني غيّرت المجال ومكان العمل والمنصب، لكني كررت نفس النمط القديم مرة ثانية، صار وقتي مو لي، وشعرت أني ما أملك السيطرة على حياتي بالطريقة اللي كنت أبحث عنها.
فسألت نفسي مرة ثانية، بنفس الصدق:
هالمرة، ما كان الجواب مجرد الحرية بالوقت، هالمرة ظهرت رسالتي بصورة أوضح، وكأنها كانت موجودة طول الوقت وأنا ما كنت شايفها:
أنا أستمتع بمساعدة الناس على بناء مشاريع تعبّر عن حقيقتهم ورسالتهم، حتى يثروا العالم.
كنت أؤمن إن المشروع عبارة عن مساحة يعبّر الإنسان من خلالها عن قيمته وينفع الناس، فينعكس هذا الأثر على حياته الشخصية والمادية.
وقتها قررت أترك الشركة وأبدأ مشروعي الخاص.
من الاستشارات إلى برنامج الريادي المحترف
بدأت بتقديم استشارات خاصة لأصحاب المشاريع، ثم انتقلت إلى تقديم برنامج الريادي المحترف، وكانت نسخته الأولى بسيطة جدًا.
في البداية، كان تركيزي على مساعدة صاحب المشروع في اكتشاف مهارته الطبيعية ثم توظيفها في مشروع يتناسب معه وتنظيم المشروع.
لكن مع الوقت، ومن خلال مئات الجلسات، بديت ألاحظ شي أعمق.
أحيانًا كنا نبني كل شيء في الخارج بصورة صحيحة، ومع ذلك كانت تظهر أمور داخلية تؤثر على نتائج المشروع، اكتشفت إن المشروع هو أكثر مساحة تكشف لصاحبه جوانب في داخله ما كانت واضحة له من قبل، لأن ما يحدث داخل الإنسان ينعكس على طريقة إدارته لمشروعه وعلاقته فيه.
فإذا كانت عنده مشكلة في العلاقات، قد تظهر أيضًا في علاقته مع عملائه، كما إن أفكاره ومعتقداته عن نفسه وقيمته وقدرته تؤثر بصورة مباشرة على ما يحققه مشروعه.
هني رجعت إلى الحقيقة نفسها اللي اكتشفتها خلال رحلتي الشخصية، بس هالمرة شفتها بوضوح أكبر:
ومع تعمّقي في رحلة اكتشاف ذاتي وحقيقتي، بديت أشوف أصحاب المشاريع من زاوية مختلفة، لاحظت إن داخل كل إنسان قوة جبّارة، وهي تعبير روحه عن حقيقتها، لكن هالقوة ما كان لها مساحة في المشروع، لأن الطرق المتعارف عليها في بناء المشاريع كانت تعتمد بشكل أساسي على العقل والتحليل ووضع الخطط والاستراتيجيات والمصطلحات الأكاديمية الجامدة، من غير الانتباه لوعي الروح والمشاعر.
وبالتالي، لاحظت إن أصحاب المشاريع كأنهم ينقسمون إلى قسمين: أشخاص متمكنين في العالم المادي، لكنهم بعيدين عن وعيهم الداخلي، وأشخاص عندهم وعي عميق، لكنهم بعيدون عن التعامل مع الواقع المادي.
وهالانفصال كان يخلّي صاحب المشروع يحس إن اللي بداخله عالم، ومشروعه عالم ثاني، وإنه ما يقدر يجمع بين الاثنين أو يعبّر عن حقيقته من خلال مشروعه.
ومن هني بديت أتعمّق أكثر في بناء المشاريع بطريقة تسمح للروح بالتعبير عن قوتها، مو من باب رفض الواقع أو الطرق العقلانية، لكن بهدف دمج الجانب الروحي بالجانب المادي والعملي، بحيث يتمكّن صاحب المشروع من التعبير عن رسالته وحقيقة روحه من خلال مشروعه.
مشروعي اليوم
اليوم من خلال أكاديمية الريادي المحترف، أساعد أصحاب الأفكار والمشاريع على بناء مشاريع تعبّر عن روحهم ورسالتهم وحقيقتهم.
يبدأ العمل مع صاحب المشروع نفسه: من حقيقته، ومهارته الطبيعية، ونقاط قوته، ونمط الحياة الذي يرغب في عيشه، ثم ننتقل إلى تصميم مشروع منظم وقادر على الاتساع والنمو، وتطوير عملياته الداخلية، والبيع، والتسويق، وخدمة العملاء، والتوظيف.



